محمد سعيد رمضان البوطي
107
فقه السيرة ( البوطي )
« عداس » حينما جاء يسعى إليه وفي يده طبق فيه عنب ، ثم انكب فجعل يقبل رأسه ويديه ورجليه وذلك عندما أخبره عليه الصلاة والسلام أنه نبيّ . وحسبنا لتصوير مشهد هذا الاعتذار من إيذاء أولئك السفهاء ، أن ننقل لك كلام مصطفى صادق الرافعي رحمه اللّه في ذلك ، بعد أن ذكر القصة : « يا عجبا لرموز القدر في القصة ! . . لقد أسرع الخير والكرامة والإجلال ، فأقبلت تعتذر عن الشر والسفاهة والطيش ، وجاءت القبلات بعد كلمات العداوة . وكان ابنا ربيعة من ألد أعداء الإسلام ، وممن مشوا إلى أبي طالب عم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من أشراف قريش يسألونه ، أن يكفه عنهم أو يخلي بينهم وبينه ، أو ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الفريقين ، فانقلبت الغريزة الوحشية إلى معناها الإنساني الذي جاء به هذا الدين لأن المستقبل الديني للفكر لا للغريزة . وجاءت النصرانية تعانق الإسلام وتعزه . إذ الدين الصحيح من الدين الصحيح كالأخ من أخيه ، غير أن نسب الأخوة الدم ، ونسب الدين العقل . ثم أتم القدر رمزه في هذه القصة ، بقطف العنب سائغا عذبا مملوآ حلاوة ، فباسم اللّه كان قطف العنب رمزا لهذا العنقود الإسلامي العظيم الذي امتلأ حبا ، كل حبة فيه مملكة » « 1 » . ثالثا : وفيما كان يفعله زيد بن حارثة رضي اللّه عنه ، من وقاية للرسول صلى اللّه عليه وسلم بنفسه ، من حجارة السفهاء ، حتى إنه شج في رأسه عدة شجاج نموذج لما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم بالنسبة لقائد الدعوة ، من حمايته له بنفسه ودفاعه عنه وإن اقتضى ذلك التضحية بحياته . هكذا كانت حال الصحابة رضي اللّه عنهم بالنسبة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولئن كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غير موجود اليوم بيننا ، فلا يتصور الدفاع عنه على النحو الذي كان يفعله أصحابه رضي اللّه عنهم ، فإن ذلك يتحقق على نحو آخر : هو أن لا نضن على أنفسنا بالمحن والعذاب في سبيل الدعوة الإسلامية وأن نسهم بشيء من تحمل الجهد والمشاق التي تحملها النبي عليه الصلاة والسلام .
--> ( 1 ) وحي القلم : 2 / 30 .